الشيخ الجواهري
151
جواهر الكلام
المنفعة ، التي هي السكنى ، والناس مسلطون على أموالهم وكون مورد العقد سكناه لا يقتضي اختصاص تمليكه بمباشرته ، وإلا لاقتضى ذلك في الإجارة للسكنى ، أو للركوب أو نحو ذلك مما كان المستأجر فيه موردا ، لا شرطا ، ودعوى ظهور عقد السكنى في ذلك ممنوعة كل المنع ، وأولى بذلك عقد العمرى والرقبى ، بل قد يقال : إن منافع الأعيان لا تتشخص بفعل المستوفى لها ، ضرورة عدم كون فعله حينئذ من منافعها المملوكة له ، وإنما الفعل مملوك لفاعله . نعم قد يكون ذلك بطريق الاشتراط ، كما في الإجارة ، بل لو قلنا بالتشخص المزبور لم يتجه ( الإ ) رث في مورده ، بل لم يتجه ذلك ملك الساكن الأجرة ( بإذن المسكن ) لأن سكنى الغير حينئذ ليس مما انتقل إليه فلا يملك أجرته ، فليس حينئذ إلا دعوى أن الايجاب هنا قد تحمل تمليك السكنى ، واشتراط كون الساكن هو المستوفى ، وهي كما ترى لا يساعده عليها عرف ، ولا شرع ، إذ ليس الايجاب هنا إلا كغيره مما يراد منه نقل مورده إلى المخاطب ، وليس هو هنا إلا منفعة الدار لا عمل الساكن ، أي سكونه الذي هو ليس من منافع الدار . وبذلك يظهر لك وجه النظر الذي ذكره في المسالك ، فإنه بعد أن حكى عن ابن إدريس ما سمعته ، والجواب عنه بمنع ملكه لها مطلقا بل على الوجه المخصوص فلا يتناوله غيره ، قال : " وفيه نظر " بل ويظهر لك النظر في أصل استدلال المشهور ، بأن الأصل عصمة مال الغير من التصرف بغير إذنه ، خرج ذلك ما أذن فيه ، وهو سكناه بنفسه ، ومن في معناه ، فيبقى الباقي على أصل المنع ، ضرورة ابتناء ذلك على أن المفهوم من العاقد ذلك ، وحينئذ يكون النزاع مع ابن إدريس فيما يفهم منه عرفا ، فإن كان كما ذكره الشيخ وافقه ابن إدريس عليه ، وإن كان العكس انعكس الحال ، وقد سمعت من ابن إدريس أن مبنى منع الشيخ الخبر الذي أورده لا الفهم من عبارة العاقد ، وبالجملة إن كلمات هؤلاء المتأخرين في غاية التشويش ، لا يمكن الجمع بين تعليلهم المزبور وقولهم أن الأجر للساكن إذا أذن المالك وقولهم بإرث حق السكنى فيما إذا كان الغاية عمر المالك ، وبين قولهم أنه ملك على وجه خاص .